علي بن محمد البغدادي الماوردي

39

النكت والعيون تفسير الماوردى

قوله عزّ وجل : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وهو الذي قال : إني أراني أعصر خمرا ، بشره بالنجاة وعوده إلى سقي سيده خمرا لأنه كان ساقيه . وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ وهو الذي قال إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ فأنذره بالهلكة وكان خباز الملك ، قال ابن جرير : « 74 » وكان اسمه مجلثا ، واسم الساقي نبوا . فلما سمع الهالك منهما تأويل رؤياه قال : إنما كنا نلعب . قال قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ فيه وجهان : أحدهما : قضي السؤال والجواب . الثاني : سيقضى تأويله ويقع . فإن قيل : فكيف قطع بتأويل الرؤيا وهو عنده ظن من طريق الاجتهاد الذي لا يقطع فيه ؟ ففيه وجهان : أحدهما : يجوز أن يكون قاله عن وحي من اللّه تعالى . الثاني : لأنه نبي يقطع بتحقيق ما أنطقه اللّه تعالى وأجراه على لسانه ، بخلاف من ليس بنبي . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 42 ] وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ( 42 ) قوله عزّ وجل : وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فيه قولان : أحدهما : يعني للذي علم أنه ناج ، فعبر عن العلم بالظن ، قاله ابن شجرة . الثاني : أنه ظن ذلك من غير يقين . وفي ظنه وجهان : أحدهما : لأن عبارة الرؤيا بالظن فلذلك لم يقطع به ، قاله قتادة . الثاني : أنه لم يتيقن صدقهما في الرؤيا فكان الظن في الجواب لشكه في صدقهما .

--> ( 74 ) حكاه في جامع البيان ( 16 / 95 ) عن ابن إسحاق .